فخر الدين الرازي
167
تفسير الرازي
التكليف الرابع : قوله تعالى : * ( واليتامى ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : اليتيم الذي مات أبوه حتى يبلغ الحلم وجمعه أيتام ويتامى ، كقولهم : نديم وندامى ، ولا يقال لمن ماتت أمه إنه يتيم . قال الزجاج : هذا في الإنسان ، أما في غير الإنسان فيتمه من قبل أمه . المسألة الثانية : اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب وذلك لأنه لصغره لا ينتفع به وليتمه وخلوه عمن يقوم به ، يحتاج إلى من ينفعه والإنسان قلما يرغب في صحبة مثل هذا ، وإذا كان هذا التكليف شاقاً على النفس لا جرم كانت درجته عظيمة في الدين . التكليف الخامس : قوله تعالى : * ( والمساكين ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : " والمساكين " واحدها مسكين ، أخذ من السكون كأن الفقر قد سكنه وهو أشد فقراً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه واحتجوا بقوله تعالى : * ( أو مسكيناً ذا متربة ) * ( البلد : 16 ) وعند الشافعي رضي الله عنه : الفقير أسوأ حالاً ، لأن الفقير اشتقاقه من فقار الظهر كأن فقاره انكسر لشدة حاجته وهو قول ابن الأنباري . واحتجوا عليه بقوله تعالى : * ( أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ) * ( الكهف : 79 ) جعلهم مساكين مع أن السفينة كانت ملكاً لهم . المسألة الثانية ؛ إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسكين قد يكون بحيث ينتفع به في الاستخدام فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى ، ولأن المسكين أيضاً يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته ، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين . المسألة الثالثة : الإحسان إلى ذي القربى واليتامى ، لا بد وأن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير . التكليف السادس : قوله تعالى : * ( وقولوا للناس حسناً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي : ( حسناً ) بفتح الحاء والسين على معنى الوصف للقول ، كأنه قال : قولوا للناس قولاً حسناً ، والباقون بضم الحاء وسكون السين ، واستشهدوا بقوله تعالى : * ( ووصينا الإنسان بوالديه حسناً ) * ( العنكبوت : 8 ) وبقوله : * ( ثم بدل حسناً بعد سوء ) * ( النحل : 11 ) وفيه أوجه ، الأول : قال الأخفش : معناه قولاً ذا حسن . الثاني : يجوز أن يكون حسناً في موضع حسناً كما تقول : رجل عدل . الثالث : أن يكون معنى قوله : * ( وقولوا للناس حسناً ) * أي ليحسن قولكم نصب على مصدر الفعل الذي دل عليه الكلام الأول . الرابع : حسناً أي قول هو حسن في نفسه لإفراط حسنه . المسألة الثانية : يقال : لم خوطبوا بقولوا بعد الإخبار ؟ والجواب من ثلاثة أوجه : أحدها : أنه على طريقة الالتفات كقوله تعالى : * ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ) * ( يونس : 22 ) . وثانيها : فيه حذف أي قلنا لهم قولوا . وثالثها : الميثاق لا يكون إلا كلاماً كأنه قيل : قلت لا تعبدوا وقولوا .